عمت الحركة الإصلاحية التي قادها الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب أرجاء الجزيرة العربية وانضوى تحتها مدارس علمية كالمدرسة العلمية في الرياض والتي ازدهرت في عصر سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية سابقاً ورئيس المجلس الأعلى للقضاء وبالتزامن مع نشاط هذه المدرسة كانت المدرسة العلمية في القصيم قائمة والتي تشكلت في عهد الشيخ العلامة ابن سعدي - رحمه الله - وكان بين المدرستين انسجام وتناغم مع وجود بعض الفوارق في ملامح المدرستين فمن ذلك أن المدرسة العلمية التي كانت في الرياض كانت أكثر تمسكاً بالمذهب الحنبلي وكانت أكثر صلة بالفتيا الرسمية والقضاء بينما نجد أن المدرسة العلمية في القصيم يغلب عليها الأخذ بآراء شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وكانت نشطة في مجال التدريس والتأليف. ومع مرور المدرستين ببعض التطور العلمي والفكري كاهتمام المدرسة العلمية في الرياض بعلم الحديث من حيث التصحيح والتضعيف وعلم الرجال والجرح والتعديل وما يتبع ذلك من قبول الأحاديث وردها إلا أن المدرسة العلمية لم تختلف كثيراً في النمط العام عن بدايتها. ومن خلال تحليل ودراسة الآراء الفقهية التي يطرحها الشيخ عبدالمحسن العبيكان والمتزامنة مع الوقائع الحياتية نجد أن هناك نمطاً تجديدياً في المدارس العلمية مغايراً للمدرستين السابقتين. ومع أن الشيخ عبدالمحسن كان محسوباً على المدرسة العملية في الرياض بل وتتلمذ على يد أشهر علمائها كالشيخ عبدالله بن محمد بن حميد - رحمه الله - رئيس مجلس القضاء الأعلى سابقا والشيخ عبدالعزيز ابن باز - رحمه الله - مفتي الديار السعودية سابقا إلا أن الشيخ كان متابعاً للمدرسة العملية في القصيم من خلال قراءته ومع ذلك لم يكن الشيخ حفظه الله مقتصراً على هذه المدرسة بل إن بداية تكوينه الشخصي وحياته الأولى كانت في الطائف وحفظ القرآن وتتلمذ على يد بعض علماء مكة ودرس مرحلة الكفاءة والثانوية بدار التوحيد بالطائف مما جعل أفق الشيخ العلمي متسعاً منذ بداياته وكان لهذا أثر واضح في فتاوى الشيخ وآرائه العلمية المتجردة إلا من الدليل والنظر الصحيح. ولذلك نجد أن الشيخ عبدالمحسن عالج بعض المسائل التي كان يغلب على الفتاوى فيها الحدة كما عالج بعض الفتاوى التي بدأت تظهر ويغلب عليها التهاون والتساهل. ومن أبرز المسائل التي أحدثت ضجة في أروقة المؤسسات الدينية فتواه في جواز حل السحر عن المسحور بالسحر للضرورة. والملفت للنظر أن الفتوى قوبلت بهجمة غير منضبطة من البعض مع أن المسألة خلافية بين العلماء قديماً وحديثاً وأشهر الروايات عن الإمام أحمد بن حنبل جواز حل السحر عن المسحور بالسحر للضرورة. وقد سمعت الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - يفتي بجوازها للضرورة وقبله الشيخ عبدالرحمن الدوسري - رحمه الله- . وعند التأمل في ردود الأفعال وخاصة الصادرة من المؤسسات الدينية نجد أنها لم تراع الضوابط الشرعية في مناقشة هذه الفتوى وهذه الضوابط هي التي تتولى تخليصهم من ردود الأفعال الشخصية والتي وصل الحد بها إلى القول إن حل السحر عن المسحور هو استباحة للشرك وهذا القول له دلالات خطيرة وينساق على كل من اجتهد في المسألة سابقاً كالإمام البخاري وابن جرير الطبري وبعض الحنابلة وقبلهم سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين. ولا أستطيع في هذا المقال سرد فتاوى الشيخ التي عالج فيها بعض المسائل بالتأصيل الصحيح والنظر المتوازن للنصوص الشرعية ومقاصدها والمعاني المختزنة فيها مستصحباً في ذلك قاعدة اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات التي هي من القواعد الكلية المقررة. وما أشبة الليلة بالبارحة في ردة الفعل على فتوى الشيخ العبيكان في جواز حل السحر عن المسحور بالسحر للضرورة وأنها خروج على المألوف كمثل فتوى الشيخ ابن باز في فتوى الطلاق بالثلاث وجعلها طلقة واحدة وكيف منع الشيخ من هذه الفتوى ولكنه أصر عليها حتى أصبحت مألوفة بل ومعمول بها في المحاكم الآن مع أن الخلاف فيها مع فقهاء المذاهب الأربعة عامةً بخلاف فتوى علاج السحر عن المسحور والتي قال بها علماء كُثر وهي رواية مشهورة في مذهب الحنابلة. وكل هذه التصرفات تجاه هذه الفتاوى المصيرية لم تكن تحصل لو كان القائلون بها لم يخالفوا المألوف ولكن لما كان الخروج على السائد غير مألوف في البدايات إلا أنه مع مرور الزمن وتأمل الأدلة بتجرد يصبح مألوفاً لذوي الطبائع السليمة ولو قُرئ كتاب الشيخ (الصارم المشهور على من أنكر حل السحر بسحر عن المسحور) بتجرد وإنصاف - منشور في موقعه على الإنترنت - لأحدث تغيراً في طريقة التعامل مع هذه الفتوى ومن عرف الخلاف اتسع صدره. ومن خلال تأمل واستقراء للفتاوى السابقة واللاحقة لكثير من العلماء المعاصرين نجد أنها تكرار لما سبق دون مراعاة للمتغيرات الفقهية في العلل والمقاصد وهذا يجعل التراث الفقهي يتعرض للجمود وقصر النظر. ويتضح مما سبق أن المدرسة التجديدية بدأت تظهر وتتشكل على يد الشيخ العبيكان مستفيدة من المدارس العلمية السابقة وأهم مزايا هذه المدرسة التجديدية: مراعاة النصوص الشرعية ومدلولاتها ومقتضيات الواقع الفعلي الذي هو جزء من تكوين الفتيا. التجرد من النوازع البشرية و كل المؤثرات الذاتية. الانفتاح الذهني والتنوع المعرفي. وفرة النتاج العلمي من خلال التأليف وفق المنهج العلمي. وللشيخ العبيكان نتاج علمي بارز ومن أهمه كتابه الموسوعي "غاية المرام شرح مغني ذوي الإفهام" والذي يعد من أبرز المؤلفات الفقهية المعاصرة بخلاف الكثير منها والذي هو تفريغ للدروس العلمية في المساجد وليس تأليفاً ابتداءً ولذا قد ترى فيها التناقض والتردد بخلاف التأليف العلمي التأصيلي. ولعل ما سبق يكفي في إبراز الأسس والمضامين التي تقوم عليها المدرسة التجديدية وما تقوم به من دور تجديدي في الفقه السياسي والفقه العام المعاصر.
عبداللطيف عوض القرني - قاض في ديوان المظالم
نشر في صحيفة الوطن الجمعة 3 ذو الحجة 1430 ـ 20 نوفمبر 2009 العدد 3339 ـ السنة العاشرة
عدد الزيارات : 712
إعلان
أحصائيات الموقع
القرآن الكريم
(114)
الشيخ والصحافة
(109)
الكتب والمؤلفات
(12)
صوتيات
(162)
مرئيات
(30)
مسألة فك السحر بسحر مثله للشيخ بن عثيمين في شرحه لبلوغ المرام في كتاب الحدود الشريط العاشر (الاكثر استماعا)