![]() |
![]() |
|
|
|
|
القائمة الرئيسية
إبحث بالموقع
|
مسائل في حكم من أراد أن يضحي
مسائل في حكم من أراد أن يضحي الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ... أما بعد فقد روى الإمام مسلم في صحيحه وأصحاب السنن عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عله وسلم قال " إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره " ولفظ أبي داود وهو لمسلم والنسائي أيضاً " من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره وأظفاره حتى يضحي " وفي رواية لمسلم " ولا من بشره" مسلم ( 1977 ) أبو داود ( 2791 ) النسائي ( 4369 ) الترمذي ( 1523 ) ابن ماجه ( 3149 ) . ويستفاد من هذا الحديث عدة فوائد : الأولى :ذهب الإمام أحمد وأكثر أصحابه إلى تحريم الأخذ من الشعر والظفر والبشرة لمن أراد أن يضحي أو يضحى عنه وبه قال سعيد بن المسيب وربيعة وإسحاق وداود وبعض أصحاب الشافعي . وقال الشافعي وبعض أصحابه هو مكروه كراهة تنزيه وليس بحرام وهو الوجه الثاني عند الحنابلة ونص عليه أحمد واختاره القاضي وجماعة قال في الإنصاف :وهو أولى آهـ . وقال أبو حنيفة : لا يكره ذلك لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس فلا يكره له حلق الشعر وتقليم الأظافر كما لو لم يرد أن يضحي والحديث يرد عليه. وقال مالك في رواية : لا يكره وفي رواية : يكره وفي رواية : يحرم في التطوع دون الواجب واستدل الشافعي ومن وافقه بقول عائشة رضي الله عنها " كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقلدها بيده ثم يبعث بها ولا يحرم عليه شي أحله الله له حتى ينحر الهدي " متفق عليه. قال الموفق ابن قدامة : ولنا ما روت أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظافره شيئا حتى يضحي ) رواه مسلم ومقتضي النهي التحريم وهذا يرد القياس ويبطله وحديثهم عام وهذا خاص يجب تقديمه وتنزيل العام على ما عدا ما تناوله الحديث الخاص ولأنه يجب حمل حديثهم على غير محل النزاع لوجوه منها : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليفعل مانهى عنه وإن كان مكروهاً قال الله تعالى إخباراً عن شعيب : { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } ولأن اقل أحوال النهي أن يكون مكروها ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليفعله فيتعين حمل ما فعله في حديث عائشة على غيره ولأن عائشة إنما تعلم ظاهراً ما يباشرها به من المباشرة أو ما يفعله دائماً كاللباس والطيب فأما ما يفعله نادراً كقص الشعر وقلم الأظافر مما لا يفعله في الأيام إلا مرة فالظاهر أنها لم ترده بخبرها وإن احتمل إرادتها إياه فهو احتمال بعيد وما كان هكذا فاحتمال تخصيصه قريب فيكفي فيه أدنى دليل وخبرنا دليل قوي فكان اولى بالتخصيص ولأن عائشة تخبر عن فعله وأم سلمة عن قوله , والقول يقدم على الفعل لاحتمال أن يكون فعله خاصاً له أهـ. وقال في الإقناع وشرحه عن حديث عائشة بأنه في إرسال الهدي لا في التضحية وأيضاً فحديث عائشة عام وحديث أم سلمة خاص فيحمل العام عليه وأيضاً فحديث أم سلمة من قوله وحديث عائشة من فعله , وقوله مقدم على فعله لاحتمال الخصوصية انتهى. وقال الموفق : إذا ثبت هذا فإنه يترك قطع الشعر وتقليم الأظافر فإن فعل يستغفر الله تعالى ولا فدية فيه إجماعاً سواء فعله عمداً أو نسياناً انتهى . قال الشيخ منصور في شرح الإقناع : قلت : وهذا إذا كان لغير ضرورة وإلا فلا إثم كالمحرم وأولى انتهى . وقال في الإقناع وشرحه : ويستحب حلقه بعد الذبح قال أحمد : على ما فعل ابن عمر تعظيماً لذلك اليوم ولأنه كان ممنوعاً من ذلك قبل أن يضحي فاستحب له ذلك بعده كالمحرم انتهى.
قلت : ( والقائل عبدالمحسن آل عبيكان ) إنني بعد التأمل في هذه المسألة ترجح لي القول بأن الأمر بالإمساك عن الشعر أو الظفر على سبيل الاستحباب وأن الأخذ من الشعر أو الظفر مكروه وليس محرماً , ولا يترتب عليه إثم وخاصة بعد أن رأيت الكثير في هذا الزمن ترك التضحية بسبب عدم رغبتهم في الإمساك عن الأخذ من الشعر وأقول في الاستدلال على صواب هذا القول أن الأضحية سنة فلا يمكن أن يكون الفرع عنها وهو الإمساك عن الشعر والظفر واجباً بل لابد أن يكون مسنوناً تبعاً للأصل وهو الأضحية . ولو قال قائل : ماذا نقول في أركان النافلة وواجباتها ؟ فالجواب : أن الأركان والواجبات في النافلة لابد من الإتيان بها لأجل أن تصح هذه النافلة , فيؤجر عليها فلو تركها لما صحت منه , ولا ثواب له عليها , ولا يجب على من دخل في نافلة الصلاة أن يتمها وكذلك الصوم ولا يأثم بذلك , لحديث عائشة رضي الله عنها قالت " دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال ( هل عندكم شيء ) فقلنا لا قال " فإني إذاً صائم " ثم أتانا يوماً آخر فقلنا يا رسول الله أهدي لنا حيسٌ فقال أرينيه فلقد أصبحت صائماً فأكل" رواه مسلم وفي رواية عند النسائي قالت : دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه ثم قال " إنما مثل صوم المتطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها إن شاء حبسها " . وكذلك نقول في قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين أي تحية المسجد " ,رواه البخاري 44 ومسلم 714 . فإنّ ظاهر النهي التحريم ومع هذا قال العلماء من جلس دون أن يؤدي تحية المسجد فلا يأثم وهو مذهب أحمد وفاقاً للثلاثة وبه قال الجمهورقال النووي: أجمع العلماء على استحباب تحية المسجد ويكره أن يجلس من غير تحية بلا عذر انتهى , وقال الحافظ في الفتح " واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب انتهى . فإذاً القرينة التي تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة هي أن تحية المسجد سنة فلا يمكن أن يترتب على تركها إثم ولا تحريم .
الثانية: لو أراد الحاج أن يضحي فهل يجب عليه الإمساك عن الشعر والظفر والبشرة من دخول العشر قبل أن يحرم ؟ إنني لم أجدُ أحداً من الفقهاء رحمهم الله ذكره سوى ما قاله الشيخ عبدالله بن جاسر رحمه الله في مفيد الأنام حيث قال ما نصه (( أما إن كان يريد ـ أي الحاج ـأن يضحي أو يضحى عنه فلا يأخذ من شعره وظفره شيئاً لأن الأخذ من ذلك لمريد الإحرام سنة والأخذ من ذلك بعد دخول العشر لمريد التضحية حرام فيرجح جانب الترك على جانب الأخذ هذا ما ظهر لي )) انتهى كلامه وربما فهمه من بعض الإشارات في كلامهم وقد وافقه على هذا الرأي بعض المتأخرين ولكن من تأمل المسألة حق التأمل واستعرض النصوص المتعلقة بذلك اتضح له ضعف هذا القول للأسباب الآتية :
أولها : أنه لم يسبق الشيخ عبدالله بن جاسر أحد من العلماء والفقهاء سوى ما يستفاد من قول بعض الفقهاء.
ثانيها : نص العلماء على أن المحرم يتحلل التحلل الأول بفعل اثنين من ثلاثة الرمي والطواف والحلق أو التقصير ولم يقل أحد منهم أنه إذا كان يريد أن يضحي فلابد من ذبح الأضحية أولاً قبل التحلل بل نصوا على أنه لا دخل للدم في التحلل وقد قال صلى الله عليه وسلم لمن قدم بعض الأعمال يوم النحر على بعض ( افعل ولا حرج ) ولم يقل إلا إذا كنت تريد أن تضحي فلا تقدم الحلق أو التقصير كما أنه لو وصى الحاج أهله بذبح أضحية عنه وعنهم ثم فعل يوم النحر اثنين من ثلاثة فهل يقال له لا تتحل حتى تعلم أنهم قد ذبحوا الأضحية وفي السابق عند عدم وجود الاتصالات الحديثة هل سيبقى على إحرامه حتى يعلم أنهم ذبحوها ؟ لا أظن عاقلاً يقول هذا.
ثالثها : أن الحاج إذا تمتع فلا بد من تقصير شعره أو حلقه بعد فراغه من العمرة وهذا يتناقض مع ما ذكره الشيخ ابن جاسر ومن وافقه ولا ينبغي أن يقال : يجوز له فقط الحلق أو التقصير لأنه نسك ثم يمسك بعد ذلك حيث لا يحصل المقصود من الإمساك حتى ذبح الأضحية.
رابعها : ذكر الفقهاء أن الحكمة من الإمساك لمن يريد الأضحية عن الشعر والظفر أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النار , وتشبهاً بالحاج وهو يتنافى مع الحلق أو التقصير بعد العمرة. لذا فالصحيح عندي أن الحاج لا يمتنع من أخذ الشعر والظفر والبشرة حتى يحرم ولو كان يريد أن يضحي فلا يتناوله حديث أم سلمة والله أعلم.
الثالثة : ذكر الفقهاء رحمهم الله أن من أراد أن يضحي أو يضحى عنه فلا يأخذ من الشعر والظفر والبشرة وفهم بعض المتأخرين أن قولهم ( أو يضحى عنه ) زيادة منهم على الحديث فلا يدخل أهل البيت في النهي وإنما يقتصر على رب الأسرة وجعلوه هو من يضحي وإذا تأملنا فيمن يطلق عليه أنه يضحي فلا يصح أن يقال هو الذي يشتري الأضحية بماله لأنه قد يهدي شخص لرب الأسرة الشاة ليضحي بها. ولا يصح أن يقال هو الذي يتولى ذبحها بنفسه لأنه قد يذبحها القصاب. إذاً فالمعنى الصحيح للفظ ( يضحي ) هو من يدخل في ثواب الأضحية من الزوجة والأولاد مع رب الأسرة فاتضح صحة كلام الفقهاء رحمهم الله وأن قولهم ( أو يضحى عنه ) تفسير لمعنى الحديث وليس زيادة والله أعلم.
الرابعة : أنه لا يدخل في النهي من يضحي عن غيره متبرعاً أو وصياً أو وكيلاً لأنه لا يصدق عليه أنه يضحي أو يضحى عنه فلا يدخل في ثواب الأضحية نفسها كما نص عليه بعض الفقهاء والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
قاله الفقير إلى الله المنان
عبد المحسن بن ناصر آل عبيكان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المصادر : المحلى لابن حزم 7/963 ـــ المجموع للنووي3/501 و 8/291 ــــ فتح الباري 1/537 538 ـــ المغني 1/520 و 2/554 و 13/362 ــــ الإنصاف 9/430 ـــ كشاف القناع 6/433 ـــ شرح منتهى الإرادات 2/623ـ624ـــ حاشية المنتهى للشيخ عثمان بن قايد 2/198 ـــ روضة الطالبين 3/210 الجامع الصغير ص 345 الهداية 1/111 ـــ المحرر 1/251 ـــ الرعاية الصغرى 1/256 ـــ المنور ص 239 ــــ مفيد الأنام ص 968 ـ 971 ـــ غاية المرام جـ 5 ص 516 ــــ.
|
إعلان
أحصائيات الموقع
القائمة البريدية
المتواجدون الآن
|
|||||||||||||||||||||||||